يستعرض هذا المقال قصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر كما وردت في القرآن الكريم، مبيناً كيف تكشف هذه القصة عن أبعاد عميقة للحكمة الإلهية والصبر والإيمان بالقضاء والقدر. نوضح كيف يمكن لهذه القصة أن تكون نقطة تحول في فهم المسلم لدين الله وتدبيره الكوني، مقدمين دروساً عملية وتوجيهات تطبيقية لتحقيق الاستفادة القصوى منها في الحياة اليومية. ---
مقدمة
إن القرآن الكريم، كلام الله المعجز، ليس مجرد كتاب يُتلى، بل هو هداية ونور وبيان، يحمل في طياته شفاءً لما في الصدور، ودروساً لا تنتهي لكل من تدبره بقلبٍ واعٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (القرآن، سورة الإسراء: الآية 9). ومن أعمق جوانب الهداية القرآنية وأكثرها تأثيراً على النفس البشرية، تلك القصص التي يرويها الله سبحانه وتعالى لنا عن الأنبياء والأمم السابقة. هذه القصص ليست مجرد حكايات للتسلية، بل هي عبرٌ ومواعظ، تضيء لنا دروب الحياة، وتثبت الفؤاد على الحق، وتكشف عن عظمة تدبير الله وحكمته البالغة.
لقد مرّ الكثير منا بلحظاتٍ في حياته شعر فيها بالضياع أو التساؤل حول حكمة بعض الأحداث الجارية، أو عدم فهمه لسر بعض الابتلاءات. وفي مثل هذه اللحظات، قد تأتي قصة قرآنية واحدة لتُحدث تحولاً جذرياً في طريقة نظرتنا للأمور، فتجعل "كل شيء واضحاً" بعد أن كان غامضاً. ومن بين القصص القرآنية الكثيرة، تبرز قصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر في سورة الكهف كنموذج فريد لهذه التجربة الروحية العميقة. هذه القصة، بتفاصيلها المدهشة وأحداثها غير المتوقعة، تقدم لنا دروساً خالدة في الصبر، والتسليم لقضاء الله، وإدراك أن وراء كل ظاهرٍ قد لا نفهمه، حكمةً باطنةً لا يدركها إلا علام الغيوب. في هذا المقال، سنغوص في أعماق هذه القصة العظيمة، مستعرضين أسسها القرآنية والحديثية، وآراء العلماء فيها، لنستخلص منها توجيهات عملية تُعيننا على بناء فهم أعمق لديننا وحياتنا.
الأساس القرآني
تُعد قصة موسى والخضر من أروع القصص القرآنية وأكثرها إثارة للتأمل، وقد وردت تفاصيلها في سورة الكهف، التي تُعرف بكونها سورة عظيمة تُقرأ يوم الجمعة لما فيها من عظات وحكم. تبدأ القصة ببحث نبي الله موسى عليه السلام عن العبد الصالح الخضر، وهو رجل آتاه الله علماً خاصاً من لدنه. كان موسى، وهو من أولي العزم من الرسل، يرغب في زيادة علمه، فألهمه الله أن يتبع الخضر ليتعلم منه.
يقول تعالى في سياق هذه القصة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَن أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآيات 60-65). هذه الآيات تُظهر تصميم موسى على طلب العلم وصبره في رحلته.
بعد لقائهما، اشترط الخضر على موسى ألا يسأله عن شيء حتى يخبره هو به، فقال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 70). وقد وافق موسى على هذا الشرط، ولكن الأحداث التي تلت ذلك كانت غريبة ومحيرة لموسى عليه السلام، الذي كان يحكم بظاهر الأمور وبشريعته.
تضمنت القصة ثلاث حوادث رئيسية:
1. خرق السفينة: حيث قام الخضر بخرق سفينة مساكين كانوا يعبرون بها البحر. اعترض موسى على هذا الفعل قائلاً: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 71).
2. قتل الغلام: بعد ذلك، لقيا غلاماً فقتله الخضر. وهنا بلغ اعتراض موسى ذروته: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 74).
3. إقامة الجدار: ثم وصلا إلى أهل قرية بخيلة، فلم يضيفوهما، فوجدا جداراً مائلاً على وشك السقوط، فأقامه الخضر. وهنا قال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 77).
في كل مرة، كان موسى ينسى شرطه ويعترض على ظاهر الفعل، فيذكره الخضر بالشرط. وفي النهاية، بعد الحادثة الثالثة، جاء التفسير الشافي الذي كشف عن الحكمة الإلهية وراء كل فعل:
* أما السفينة: فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، فخرقها الخضر ليعيبها فلا يأخذها الملك، ثم يصلحها المساكين بعد ذلك. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 79).
* وأما الغلام: فكان أبواه مؤمنين، وكان الغلام سيكبر ليكون طاغياً كافراً، فيرهقهما طغياناً وكفراً. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآيتان 80-81).
* وأما الجدار: فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وأراد الله أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربهما. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (القرآن، سورة الكهف: الآية 82).
هذه الآيات تكشف أن وراء كل فعل ظاهره الشر أو عدم المنطق، قد تكون هناك حكمة خفية وخير عظيم لا يدركه الإنسان بعلمه المحدود. إنها دعوة للتسليم المطلق لقضاء الله وقدره، والإيمان بأن تدبير الله كله خير، حتى وإن لم نفهم جوانبه في حينها.
الحديث والسنة
لم تقتصر الإشارة إلى قصة موسى والخضر على القرآن الكريم فحسب، بل وردت في السنة النبوية الشريفة أحاديث صحيحة توضح بعض جوانب القصة وتؤكد أهميتها وعمق دروسها. هذه الأحاديث تُكمل الصورة التي رسمها القرآن وتُلقي ضوءاً على تفاصيل إضافية أو تأكيدات لمعاني القصة.
من أبرز الأحاديث التي تتناول هذه القصة، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي محمد ﷺ قال: "قام موسى خطيباً في بني إسرائيل، فقيل له: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مِكتَل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمَّ. فانطلق موسى وفتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت في المِكتَل، حتى انتهيا إلى الصخرة، فوضع موسى رأسه فنام. قال أُبي: فقال لي رسول الله ﷺ: فأخذ الحوت ينسرب في البحر سرباً، وموسى نائم. فقال فتاه: لا أوقظه. فلما استيقظ نسي فتاه أن يخبره. فلما سارا في اليوم التالي، قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً. قال موسى: ذلك ما كنا نبغ. فارتدا على آثارهما قصصاً. حتى أتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم موسى. قال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. جئتك لتعلمني مما علمت رشداً. قال: إنك لن تستطيع معي صبراً. يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه. قال: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً." (صحيح البخاري 7478، صحيح مسلم 2380).
هذا الحديث النبوي الشريف يؤكد عدة نقاط مهمة:
1. التواضع في طلب العلم: يُظهر الحديث أن الله عاتب موسى عليه السلام عندما نسب العلم المطلق إلى نفسه، وهذا تعليم لنا بأن العلم الحقيقي هو ما يُنسب إلى الله تعالى، وأن الإنسان مهما بلغ من علم فعليه أن يتواضع ويعترف بحدود معرفته.
2. أهمية السعي لطلب العلم: رغم مكانة موسى كنبي ورسول، فقد أمره الله بالسعي لطلب العلم من الخضر، مما يدل على أن طلب العلم فريضة مستمرة على المؤمن، ولا ينبغي أن يتوقف عند حد معين.
3. العلم اللدني: يؤكد الحديث أن الخضر كان يمتلك علماً خاصاً من الله تعالى، يختلف عن العلم الظاهر الذي يتعلمه الناس أو حتى الأنبياء من الوحي والرسالة. هذا العلم هو علم الحكمة الباطنة التي لا تتوافق بالضرورة مع الظاهر.
4. الصبر شرط للتعلم: تكرار الخضر لقوله "إنك لن تستطيع معي صبراً" يُبرز أن الصبر ليس مجرد فضيلة، بل هو شرط أساسي لفهم الحقائق العميقة التي قد تبدو مخالفة للمنطق الظاهر.
من خلال السنة النبوية، يتضح لنا أن القصة ليست مجرد حكاية، بل هي منهج تربوي يُعلمنا كيف نتعامل مع تقلبات الحياة وأحداثها التي قد تبدو سلبية في ظاهرها. فقد علمنا النبي ﷺ أن نتوكل على الله حق التوكل، وأن نؤمن بقضائه وقدره خيره وشره، وأن نرضى بما قسم الله لنا، لأن الله هو الحكيم العليم الذي لا يفعل شيئاً إلا لحكمة بالغة قد لا ندركها نحن. فالصبر على البلاء والتسليم لأمر الله هو جزء لا يتجزأ من الإيمان، وهذه القصة تقدم لنا النموذج الأسمى لذلك.
المنظورات الفقهية والعلمية
حظيت قصة موسى والخضر باهتمام بالغ من قبل العلماء والمفسرين على مر العصور، وقد تناولها كبار الأئمة والمحدثين بالدراسة والتحليل، مستخرجين منها درراً من الفوائد والحكم. من أبرز المفسرين الذين تناولوا هذه القصة بتعمق: الإمام الطبري في "جامع البيان"، والإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، والحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم". وقد أجمع هؤلاء الأعلام على أن القصة تحمل في طياتها دروساً عظيمة في التوحيد، والإيمان بالقضاء والقدر، والتسليم لأمر الله.
1. الحكمة الإلهية المطلقة:
يُعد الدرس الأبرز المستخلص من القصة هو إثبات الحكمة الإلهية المطلقة التي تفوق إدراك البشر. الأفعال التي قام بها الخضر كانت تبدو لموسى عليه السلام - وهو نبي وشريعته تقوم على العدل والظاهر - أفعالاً منكرة. ولكن عند الكشف عن بواطنها، تبين أنها عين الحكمة والصلاح. هذا يؤكد أن الله سبحانه وتعالى يدبر الأمور بحكمة بالغة لا يحيط بها علمنا، وأن ما نراه شراً قد يكون في حقيقته خيراً عظيماً لنا أو لغيرنا.
2. حدود علم البشر:
أشار العلماء إلى أن القصة تُبين حدود علم الإنسان، حتى لو كان نبياً مثل موسى عليه السلام. فعلم الخضر كان علماً لدنيّاً خاصاً من الله، بينما علم موسى كان علماً ظاهراً مبنياً على الشريعة التي أُرسل بها. هذا يُعلمنا التواضع أمام علم الله، وعدم ادعاء الإحاطة بكل شيء. يقول الإمام ابن كثير: "في هذه القصة دليل على أن الخضر ليس بنبي، لأن موسى لو كان نبياً لكان أعلم منه، وإنما هو عبد صالح آتاه الله علماً خاصاً". (مع وجود خلاف حول نبوته أو ولايته).
3. مسألة الخضر: نبي أم ولي؟
من المسائل التي أثارت جدلاً بين العلماء هي حقيقة الخضر وهل هو نبي أم ولي صالح؟
* الرأي الأول (جمهور العلماء): يرى جمهور العلماء والمفسرين أنه ولي صالح، وليس نبياً. واستدلوا بأن موسى عليه السلام، وهو نبي ورسول، كان يتبع الخضر ليتعلم منه، وهذا لا يتناسب مع فضل الأنبياء على غيرهم. كما أن أفعاله التي ظاهرها مخالفة للشريعة (مثل قتل الغلام) لا تصدر عن نبي ملتزم بالشريعة الظاهرة.
* الرأي الثاني (قلة): ذهب بعض العلماء إلى أنه نبي. واستدلوا بقول الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف: 82)، مما يدل على أنه كان يتلقى أوامر إلهية مباشرة، وهذا من خصائص الأنبياء.
* الرأي الثالث (وجوده): هناك خلاف أيضاً حول ما إذا كان الخضر لا يزال حياً إلى اليوم أم لا. جمهور المحدثين والمحققين يرون أنه قد مات، مستدلين ببعض الأحاديث التي تشير إلى أن كل من كان على وجه الأرض في زمن النبي ﷺ قد مات. بينما يرى بعض الصوفية والعوام أنه حي.
الراجح والمجمع عليه بين المحققين هو أن الخضر مات كغيره من البشر، وأن بقاءه حياً لم يثبت بحديث صحيح صريح. والأهم من هذه المسائل هو استخلاص الدروس والعبر من القصة.
4. التطبيق في الحياة المعاصرة:
تُقدم القصة دروساً عملية للحياة المعاصرة. فكثيراً ما يواجه الإنسان مواقف تبدو له غير عادلة أو محبطة. هذه القصة تعلمنا ألا نحكم على الأمور بظواهرها، وأن نثق بأن تدبير الله كله خير، حتى لو لم ندرك حكمته على الفور. إنها تدعو إلى الصبر (الصبر) على البلاء، والتسليم (التسليم) لقضاء الله، والتوكل (التوكل) عليه في كل الأمور. هذا الفهم يُعين المسلم على مواجهة التحديات بروح إيمانية قوية، ويُخلصه من القلق واليأس.
التوجيه العملي
بعد استعراض الأسس القرآنية والحديثية والمنظورات العلمية لقصة موسى والخضر، نأتي إلى الجانب الأهم: كيفية تطبيق هذه الدروس العظيمة في حياتنا اليومية لتحدث "النقلة النوعية" في فهمنا وإيماننا.
1. تنمية الصبر والتوكل على الله:
* الصبر: القصة هي خير مثال على أهمية الصبر. عندما تواجهك شدائد أو أمور لا تفهم حكمتها، تذكر كيف صبر الخضر على اعتراضات موسى، وكيف كان موسى يحاول الصبر. تدرب على الصبر في الأمور الصغيرة والكبيرة، وتذكر أن الله مع الصابرين.
* التوكل: ثق بأن الله يدبر لك الخير حتى في الظاهر من الشر. سلم أمرك لله، واعلم أن كل ما يصيبك هو بقدر الله، وأن وراء كل قدر حكمة عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (القرآن، سورة الطلاق: الآية 3).
2. تجاوز الحكم على الظواهر:
* التمعن لا التسرع: لا تتعجل في الحكم على الأحداث أو الأشخاص بناءً على الظواهر الأولية. ما يبدو سيئاً في البداية قد يحمل في طياته خيراً عظيماً، وما يبدو جيداً قد يؤول إلى شر.
* التفكير العميق: حاول أن تنظر إلى الصورة الأكبر، وتذكر أن علمك محدود. اسأل الله أن يكشف لك الحقائق وأن يلهمك الرشاد.
3. البحث عن الحكمة في الابتلاءات:
* التدبر: عند وقوع مصيبة أو محنة، بدلاً من اليأس أو التذمر، حاول أن تتدبر: ما الدرس الذي يمكن أن أتعلمه من هذا؟ ما هي الحكمة الإلهية من وراء هذا الابتلاء؟ قد لا تظهر الإجابة فوراً، ولكن مجرد البحث عنها يُعين على الرضا بالقضاء.
* الاستغفار والدعاء: تذكر أن الذنوب قد تكون سبباً في بعض الابتلاءات. استغفر الله وادعه أن يرفع عنك البلاء وأن يبصرك بحكمته.
4. الحذر من العجب بالرأي والعلم:
* التواضع: مهما بلغ علمك أو مكانتك، تذكر قصة موسى عليه السلام وكيف عاتبه الله عندما قال "أنا أعلم". كن متواضعاً في طلب العلم وفي التعامل مع الناس، واعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
* التعلم المستمر: لا تتوقف عن طلب العلم، سواء كان علماً دينياً أو دنيوياً، ولكن اجعله مقروناً بالتواضع والخشية من الله.
أسئلة شائعة ومفاهيم خاطئة:
* هل يعني هذا ألا نتدخل لو رأينا منكراً؟ لا، أبداً. القصة لا تعني أن نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. موسى عليه السلام كان يعترض لعدم معرفته بالحقيقة، أما نحن فملزمون بشريعة الله الظاهرة. هذه القصة حالة خاصة لعلم لدني.
* هل يمكن أن نطلب من الله أن يكشف لنا الغيب كما كشف للخضر؟ لا، الغيب لله وحده، والخضر كان له علم خاص من الله لا يُعطى لغير الأنبياء أو لخاصة من عباد الله. وظيفتنا هي الإيمان بالغيب لا السعي للكشف عنه.
نصائح للتطبيق:
* خصص وقتاً لتدبر القرآن الكريم، وخاصة القصص القرآنية.
* اقرأ تفاسير العلماء الموثوقين لهذه القصة وغيرها من القصص القرآنية.
* عليك بالدعاء الدائم، وخاصة دعاء "اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علماً".
* راقب نفسك في أوقات الشدة، وحاول تطبيق دروس الصبر والتوكل.
تحذيرات من الأخطاء الشائعة:
* اليأس والقنوط: لا تدع الظروف الصعبة تقودك إلى اليأس، بل اجعلها فرصة لتعميق إيمانك.
* التفويض السلبي: لا تفسر التوكل على أنه ترك العمل والقعود. بل اعمل واجتهد، ثم توكل على الله في النتائج.
* الغرور بالعلم: احذر من أن يقودك العلم إلى الغرور أو الاستخفاف بغيرك.
الخاتمة
إن قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر ليست مجرد حكاية قديمة، بل هي منارة إيمانية تضيء دروب الحائرين، وتُثبت قلوب المؤمنين، وتُعيد تشكيل نظرتهم للحياة والقدر. إنها تُعلمنا أن وراء كل حدث، سواء كان خيراً في ظاهره أو شراً، حكمة إلهية بالغة لا يحيط بها علمنا المحدود. هذه القصة هي دعوة صريحة للتواضع أمام عظمة الخالق، والتسليم المطلق لقضائه وقدره، والصبر الجميل على ما لا نفهم من تدبيره.
عندما تتغلغل دروس هذه القصة في أعماق قلوبنا، فإنها تُحدث ذلك "النقر" الذي يجعل كل شيء واضحاً، وتُزيل غشاوة الحيرة والشك، وتُبدلها بيقين راسخ بأن الله هو الحكيم العليم، وأن تدبيره كله خير ورحمة. فلنجعل من هذه القصة نبراساً نهتدي به في حياتنا، ونتدبر آيات القرآن الكريم وسنة نبينا محمد ﷺ بعمق وإخلاص، سائلين الله أن يرزقنا الفهم الصحيح، وأن يوفقنا للعمل بما علمنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وار
Share this story
We may receive a commission if you click on a link and buy a product, service or similar, at no extra cost to you. How affiliate links work.
Thoughts on this story?